الْمَدِينَةِ١، وَكَذَلِكَ مَا كَانَ قَدْ عَزَمَ عَلَيْهِ مِنْ تَرْكِ تَلْقِيحِ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ٢.
فَأَمَّا اجْتِهَادُهُمْ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَالْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ عَلَى مَذَاهِبَ:
الْأَوَّلُ:
لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ، لِقُدْرَتِهِمْ عَلَى النَّصِّ بِنُزُولِ الْوَحْيِ، وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٣ وَالضَّمِيرُ يَرْجِعُ إِلَى النُّطْقِ الْمَذْكُورِ قَبْلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ ٤؛ وقد حَكَى هَذَا الْمَذْهَبَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي "التَّقْرِيبِ": كُلُّ مَنْ نَفَى الْقِيَاسَ أَحَالَ تَعَبُّدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم "بِهِ"*.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ ظَاهِرُ اخْتِيَارِ ابْنِ حَزْمٍ.
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا سُئِلَ يَنْتَظِرُ الْوَحْيَ، وَيَقُولُ: "مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِي هَذَا شَيْءٌ"، كَمَا قَالَ لَمَّا سُئِلَ عَنْ زَكَاةِ الْحَمِيرِ؟ فَقَالَ: "لَمْ يَنْزِلْ عَلِيَّ "فِي ذَلِكَ" ** إِلَّا هَذِهِ الْآيَةُ الْجَامِعَةُ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ ٥"٦، وَكَذَا انْتَظَرَ الْوَحْيَ فِي كَثِيرٍ مِمَّا سُئِلَ عَنْهُ.
وَمِنَ الذَّاهِبِينَ إِلَى هَذَا الْمَذْهَبِ، أَبُو عَلِيٍّ، وَأَبُو هَاشِمٍ.
الْمَذْهَبُ الثَّانِي:
أَنَّهُ يَجُوزُ لنبينا صلى الله عليه وسلم، وَلِغَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ.
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَاطَبَ نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم كَمَا خَاطَبَ عِبَادَهُ، وَضَرَبَ لَهُ الْأَمْثَالَ، وأمره
1 * في "أ": بالاجتهاد. ** ما بين قوسين ساقط من "أ". _________ ١ أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ٣/ ٣٤٠ وابن هشام في سيرته ٣/ ١٧٦. ٢ أخرجه مسلم عن عائشة وثابت وأنس بن مالك بلفظ: "أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع أصواتًا فقال: "ما هذه الأصوات؟ " قالوا: النخل يأبرونه فقال: "لو لم يفعلوا لصلح ذلك"، فأمسكوا فلم يأبروا عامته فصار شيصًا، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "إذا كان شيء من أمر دنياكم فشأنكم وإذا كان شيء من أمر دينكم فإليَّ ". كتاب الفضائل، باب وجوب امتثال ما قاله شرعا دون ما ذكره من معايش الدنيا على سبيل الرأي ٢٣٦٣. وأخرجه ابن ماجه، كتاب الرهون، باب تلقيح النخل ٢٤٧١. ابن حبان في صحيحه ٢٢. أحمد في مسنده ٦/ ١٢٣. وفي الباب عن عبيد الله عند مسلم ٢٣٦١ وابن ماجه ٢٤٧٠. ٣ الآية: ٤ من سورة النجم. ٤ الآية: ٣ من سورة النجم. ٥ الآيتان ٧-٨ من سورة الزلزلة. ٦ أخرجه مسلم من حديث أبو هريرة، باب الزكاة، كتاب إثم مانع الزكاة ٩٨٧. وأخرجه أحمد في مسنده وانظر الفتح الرباني ٨/ ٢٣٥ رقم ٤٤. وأخرجه البيهقي، كتاب الزكاة، باب من رأى في الخيل صدقة ٤/ ١١٩. وذكره التهانوني في إعلاء السنن ٩/ ٣٤.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout