قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ عَائِشَةَ إِنَّمَا قَالَتْ ذَلِكَ بِاجْتِهَادِهَا، وَاجْتِهَادُ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ لَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى الْآخَرِ بِالْإِجْمَاعِ، ثُمَّ قَوْلُهَا مُعَارَضٌ بِفِعْلِ زَيْدِ بْنِ أرقم، ثم إنها إنما أَنْكَرَتْ ذَلِكَ لِفَسَادِ التَّعْيِينِ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ فَاسِدٌ لجهالة الْأَجَلِ، فَإِنَّ وَقْتَ الْعَطَاءِ غَيْرُ مَعْلُومٍ، وَالثَّانِي بِنَاءٌ عَلَى الْأَوَّلِ فَيَكُونُ فَاسِدًا.
قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: الذَّرِيعَةُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا:
مَا يُقْطَعُ بِتَوْصِيلِهِ إِلَى الْحَرَامِ، فَهُوَ حَرَامٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ، يَعْنِي: عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ.
وَالثَّانِي:
مَا يُقْطَعُ بِأَنَّهُ لَا يُوَصِّلُ، وَلَكِنِ اخْتَلَطَ بِمَا يُوَصِّلُ، فَكَانَ مِنَ الِاحْتِيَاطِ سَدُّ الْبَابِ، وَإِلْحَاقُ الصُّورَةِ النَّادِرَةِ، الَّتِي قُطِعَ بِأَنَّهَا لَا تُوَصِّلُ إِلَى الْحَرَامِ بِالْغَالِبِ مِنْهَا، الْمُوَصِّلِ إِلَيْهِ، وَهَذَا غُلُوٌّ فِي الْقَوْلِ بِسَدِّ الذَّرَائِعِ.
وَالثَّالِثُ:
مَا يُحْتَمَلُ وَيُحْتَمَلُ، وَفِيهِ مَرَاتِبُ "مُتَفَاوِتَةٌ"* وَيَخْتِلَفُ التَّرْجِيحُ عِنْدَهُمْ بِسَبَبِ تَفَاوُتِهَا.
قَالَ: وَنَحْنُ نُخَالِفُهُمْ "فِي جَمِيعِهَا"** إِلَّا الْقِسْمَ الْأَوَّلَ؛ لِانْضِبَاطِهِ وَقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ. انْتَهَى.
وَمِنْ أَحْسَنِ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى هَذَا الْبَابِ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ مِنْ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَعَاصِيهِ، فَمَنْ حَامَ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ" ١ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَيُلْحَقُ بِهِ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ من قوله صلى الله عليه وسلم: "دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ" ٢ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَيْضًا، وَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "الْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ" ٣ وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وقوله صلى الله عليه وسلم: "اسْتَفْتِ قَلْبَكَ وَإِنْ أَفْتَاكَ الْمُفْتُونَ" ٤ وَهُوَ حديث حسن أيضا.
1 * ما بين قوسين ساقط من "أ". ** في "أ": فيها _________ ١ جزء من الحديث المتقدم في ٢/ ١٩٤ ورواية البخاري: $"والمعاصي حمى الله ومن يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه". ٢ تقدم تخريجه في ٢/ ١٩٤. ٣ أخرجه البيهقي في سننه في الشهادات بيان مكارم الأخلاق ومعاليها ٢/ ١٩٢ بلفظ "ما حاك في نفسك" من حديث النواس بن سمعان الأنصاري. وأخرجه الترمذي في الزهد باب ما جاء في البر والأثم ٢٣٨٩. وأحمد في مسنده ٤/ ١٨٢. ومسلم في البر والصلة باب تفسير البر والإثم ٢٥٥٣. ابن حبان في صحيحه ٣٩٧. والبغوي في شرح السنة ٣٤٩٤. ٤ أخرجه أحمد في مسنده من حديث وابصة بلفظ: "استفت قلبك واستفت نفسك البر ما أطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك ثلاثا" ٤/ ٢٢٨. وأخرجه الدارمي، كتاب البيوع ٢/ ٢٤٥. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ١٧٥. وأبو يعلى في مسنده ١٥٨٦. ومن حديث أبي ثعلبة الخشني بلفظ: "البر ما تسكن إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما لم تسكن إليه النفس ولم يطمئن إليه القلب، وإن أفتاك المفتون" ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ١٧٥ أيضا. وأخرجه الطبراني في الكبير ٢٢/ ٢١٩ بدون "وإن أفتاك المفتون ".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout