بِسْم اللَّهُ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ مِلْهُمْ الْوُصُولُ إلَى عِلْمِ الْأُصُولِ، وَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الْبَحْرِ الزُّخَارُ وَنُورُ الْأَنْوَارِ وَمَعْدِنِ الْأَسْرَارِ النَّبِيُّ الْمُخْتَارُ وَعَلَى آلِهِ وَصَحَّبَهُ الطَّيبَيْنِ الْأَبْرَارَ.
اعْلِمْ أَنَّ الشَّرِيعَةَ الْإِسْلَامِيَّةَ خَاتِمَةُ الشَّرَائِعِ السَّمَاوِيَّةُ، الْمُنْزِلَةُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَامِعَةً بَيْنَ الْمَعْقُولِ وَالْمَنْقُولِ، مُشْتَمِلَةٌ عَلَى أُصُولٍ وَفُرُوعٍ.
وَعِلْمِ الْأُصُولِ: مِنْ أَجْلِ الْعُلُومِ شَرْفًٌا وَأَعْظَمَهَا قَدْرًَا، إذْ إنَّهُ الْقُطَبُ الَّذِي تَدُوَّرُ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الشَّرِيعَةِ، يَرْتَقِي بِالْإِنْسَانِ مِنْ أَرْضِ التَّقْلِيدِ، إلَى سَمَاءِ الِاجْتِهَادِ، مَعَ مَلَكَةِ الِاسْتِنْبَاطِ.
وَعِلْمِ الْخِلَافِ: مِنْ أَهَمِّ الْعُلُومِ، تَتَجَسَّدُ فِيهِ عَقْلِيَّةُ الْعُلَمَاءِ وَفَقَاهَةُ الْفُقَهَاءِ بِمَا يَخْدُمُ مَصَالِحُ الْأَمَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ عَلَى مَرِّ الْأَزْمَانِ، وَيُكْفُلُ سَعَادَتُهَا وَرَقِيَهَا مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأُمْمِ، تَتَجَلَّى فِيهِ أَسْرَارُ الرَّحْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ لِهَذِهِ الْأَمَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ. فَاخْتِلَافُهُمْ رَحْمَةٌ جَامِعَةً، وَاتِّفَاقُهُمْ حُجَّةٌ قَاطِعَةً، وَإِنَّ عُلَمَاءَ الشَّرِيعَةِ مَا زَالُوا يَتَوَسَّعُونَ فِي هَذَا الْعِلْمِ وَمَدَارِكِهِ، وَيَقْعُدُونَ قَوَاعِدَهُ، وَيَبْنُونَ مَسَائِلَهُ، وَيُوضِّحُونَ دَلَائِلَهُ، وَيَخْرُجُونَ فُرُوعَهُ عَلَى أُصُولِ صَحِيحِهِ وَكُلِّيَّاتٍ صَرِيحَةٍ مِنْ كِتَابٍ وَسُنَّةٍ مُتَوَاتِرَةٍ.
وَإِذَا كَانَ الْوَحْيُ الظَّاهِرُ قَدْ انْقَطَعَ نُزُولُهُ، فَإِنَّ الْوَحْيَ الْبَاطِنَ مَا زَالَ نَابِضًا لَدَى الْمُجْتَهِدِينَ إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ، لَهُ مُحَاكَمَاتٌ فِي وَاقِعَاتٍ، وَتَأْثِيرَاتٍ عَنْ انْفِعَالَاتِ، عَالَمُهُ الْأَمْرَ، مِيزَانُهُ الْفَهْمَ، مِيزَابُهُ الْفَضْلَ، تَكَمَّنُ فِيهِ الْعُلُومُ وَالْمُعَارِفُ، خَصَّ اللَّهُ الشَّرِيعَةَ الْإِسْلَامِيَّةَ بِهِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الشَّرَائِعِ، بِهِ يُمَيِّزُ الْمُجْتَهِدُ الصَّحِيحُ مِنْ السَّقِيمِ، وَيُعْرِفُ الْأَدِلَّةَ الْقَطْعِيَّةَ وَالظَّنِّيَةَ وَالرَّاجِحَ وَالْمَرْجُوحَ، وَتَقِيسُ الْأُمُورُ بِأَشْبَاهِهَا وَنَظَائِرِهَا قِيَاسًا شَرْعِيًّا صَحِيحًٌا عَلَى ضَوَابِطِ عِلْمِيَّةٍ اجْتِهَادِيَّةً، حَتَّى يُسْمُوَ بِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ إِلَى سَمَاءِ الْإِرَادَةِ مُعْرَجًا مِنْ شَمْسِ الْوُصُولِ إِلَى مَغَارِبِ الْأُصُولِ عَلَى مَرِّ الدُّهُورِ.
وَبَعْدَ: فَإِنَّ كِتَابَ إِرْشَادِ الْفُحُولِ لِمُؤَلِّفِهِ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الشَّوْكَانِيُّ، الصَّنْعَانِيُّ، الْيَمَانِيُّ، مِنْ الْكُتُبِ الْمُفِيدَةِ فِي هَذَا الْمَجَالِ، لَمَّا احْتَوَى عَلَيْهِ مِنْ كَثْرَةِ النُّقُولِ وَعَزْوِ الْأَقْوَالِ إلَى قَائِلِيْهَا مِنْ أَئِمَّةِ هَذَا الْعِلْمِ.
وَلَقَدْ سَلَكَ مُؤَلِّفَهُ مَسْلَكَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْفُقَهَاءِ، وَاعْتَنَى بِإِيرَادِ الْقَوَاعِدِ وَالْمَسَائِلِ الْأُصُولِيَّةِ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout