إِطْلَاقَ ذَلِكَ فِي مَقَامِ الِاحْتِجَاجِ وَتَبْلِيغَهُ إِلَى النَّاسِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ سُنَّةَ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِذَا أَطْلَقَ الصَّحَابِيُّ السُّنَّةَ فَالْمُرَادُ بِهِ سُنَّةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وكذلك إذا أطلقها غَيْرُهُ مَا لَمْ تُضَفْ إِلَى صَاحِبِهَا كَقَوْلِهِمْ سُنَّةُ الْعُمَرَيْنِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
فَإِنْ قَالَ الصَّحَابِيُّ: كُنَّا نَفْعَلُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَذَا أَوْ كَانُوا يَفْعَلُونَ كَذَا فَأَطْلَقَ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَالصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ أَنَّ الْأَكْثَرِينَ عَلَى أَنَّهُ حُجَّةٌ، وَوَجَّهَ أَنَّهُ نَقْلٌ لِفِعْلِ جَمَاعَتِهِمْ مَعَ تَقْرِيرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَى ذَلِكَ، وَلَا بُدَّ أَنْ يُعْتَبَرَ فِي هَذَا أَنْ يَكُونَ مِثْلُ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَخْفَى عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَتَكُونُ الْحُجَّةُ فِي التَّقْرِيرِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ فِي حُكْمِ نَقْلِ الْإِجْمَاعِ فَلَا، فَقَدْ يُضَافُ فِعْلُ الْبَعْضِ إِلَى الْكُلِّ.
وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ فِي قَوْلِ الصَّحَابِيِّ كُنَّا نَفْعَلُ فِي عَهْدِهِ صلى الله عليه وسلم ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ فَقَالَ قَبِلَهُ أَبُو الْفَرَجِ١ مِنْ أَصْحَابِنَا وَرَدَّهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا وَهُوَ الْأَظْهَرُ مِنْ مَذْهَبِهِمْ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ٢ وَالْوَجْهُ التفصيل بين أن يكون شرعًا "مستقرًا"٣ كَقَوْلِ أَبِي سَعِيدٍ: كُنَّا نُخْرِجُ صَدَقَةَ عِيدِ الْفِطْرِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ. الْحَدِيثَ٤، فَمِثْلُ هَذَا يَسْتَحِيلُ خَفَاؤُهُ عَلَيْهِ صلى الله عليه وسلم فَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ خَفَاؤُهُ فَلَا يَقْبَلُ كَقَوْلِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ كُنَّا نُخَابِرُ عَلَى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حَتَّى رَوَى لَنَا بَعْضُ عُمُومَتِي أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ ذَلِكَ٥ وَرَجَّحَ هَذَا التَّفْصِيلَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ، وَقِيلَ إِنَّ "ذِكْرَ الصَّحَابِيِّ ذَلِكَ"٦ فِي مَعْرِضِ الْحُجَّةِ حُمِلَ عَلَى الرَّفْعِ وَإِلَّا فَلَا، وَأَمَّا لَوْ قَالَ الصَّحَابِيُّ: كَانُوا يَفْعَلُونَ أَوْ كُنَّا نَفْعَلُ وَلَا يَقُولُ على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فَلَا تَقُومُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْحُجَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْنَدٍ إِلَى تَقْرِيرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَلَا هُوَ حِكَايَةٌ لِلْإِجْمَاعِ، "وَقَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنَّهُ إِجْمَاعٌ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: إِذَا قَالَ التَّابِعِيُّ: كَانُوا يَفْعَلُونَ كَذَا فَلَا يَدُلُّ عَلَى فِعْلِ جَمِيعِ الْأُمَّةِ، وَلَا حَجَّةَ فِيهِ، إِلَّا أن يصرح بنقل الإجماع"٧.
1 انظر ترجمته في الصفحة "١٧٥" حيث هو نفسه أبو الفرج المالكي. ٢ هو القاضي عبد الوهاب بن علي الذي تقدمت ترجمته في الصفحة "١٤٢" ٣ في "أ": مستقلًّا. ٤ أخرجه مسلم، كتاب الزكاة، باب زكاة الفطر "٩٨٥". وأبو داود، كتاب الزكاة، باب كم يؤدي في صدقة الفطر "١٦١٦". والنسائي، كتاب الزكاة، باب الزبيب "٢٥١٢" "٥/ ٥١". والبيهقي في السنن، كتاب الزكاة، باب من قال لا يخرج من الحنطة في صدقة الفطر إلا صاعًا "٤/ ١٦٥". والدارقطني "٢/ ١٤٦". وأحمد في مسنده "٣/ ٩٨". وابن خزيمة "٢٤١٨". وابن حبان "٣٣٠٥". ٥ أخرجه مسلم، كتاب البيوع، باب كراء الأرض "١٥٤٣". والنسائي، بنحوه في كتاب الأيمان، باب ذكر الأحاديث المختلفة في النهي عن كراء الأرض "٣٩٠٩" "٧/ ٤٤". وابن ماجه، كتاب الرهون، باب المزارعة بالثلث والربع "٢٤٥٠". وأحمد في مسنده "٢/ ٤٦٣". والحميدي في مسنده "٤٠٥". وذكره البغوي في المصابيح "٢١٨٨". والمخابرة هي مزارعة الأرض على الثلث أو الربع أو بعض ما يخرج منها. ٦ ما بين قوسين ساقط من "أ". ٧ في "أ": ذكره الصحابي.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout