أَحَدِهِمَا فَيَعْمَلَ بِهِ، وَإِلَّا فَالْخَبَرُ مُقَدَّمٌ.
وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ الصَّيْمَرِيُّ١: لَا خِلَافَ فِي الْعِلَّةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ قَالَ الْكِيَا: قَدَّمَ الْجُمْهُورُ خَبَرَ الضَّابِطِ عَلَى الْقِيَاسِ لِأَنَّ الْقِيَاسَ عُرْضَةُ الزَّلَلِ انْتَهَى.
وَالْحَقُّ: تَقْدِيمُ الْخَبَرِ الْخَارِجِ مِنْ مَخْرَجٍ صَحِيحٍ أَوْ حَسَنٍ عَلَى الْقِيَاسِ مُطْلَقًا، إِذَا لَمْ يُمْكِنِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، كَحَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ٢ وَحَدِيثِ الْعَرَايَا٣ فَإِنَّهُمَا مُقَدَّمَانِ عَلَى الْقِيَاسِ، وَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ التَّابِعُونَ إِذَا جَاءَهُمُ الْخَبَرُ لَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى الْقِيَاسِ وَلَا يَنْظُرُوا فِيهِ، وَمَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ مِنْ تَقْدِيمِ الْقِيَاسِ فِي بَعْضِ الْمَوَاطِنِ فَبَعْضُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَبَعْضُهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتِ الْخَبَرُ عِنْدَ مَنْ قَدَّمَ الْقِيَاسَ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَقْدِيمِ الْخَبَرِ عَلَى الْقِيَاسِ حَدِيثُ مُعَاذٍ٤ فَإِنَّهُ قَدَّمَ الْعَمَلَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى اجْتِهَادِهِ.
وَمِمَّا يُرَجِّحُ تَقْدِيمَ الْخَبَرِ عَلَى الْقِيَاسِ أَنَّ الْخَبَرَ يَحْتَاجُ إِلَى النَّظَرِ فِي أَمْرَيْنِ: وَهُمَا دِلَالَتُهُ، عدالة الرَّاوِي وَدِلَالَةُ الْخَبَرِ، وَالْقِيَاسُ يَحْتَاجُ إِلَى النَّظَرِ فِي سِتَّةِ أُمُورٍ: حُكْمُ الْأَصْلِ وَتَعْلِيلُهُ فِي الْجُمْلَةِ، وَتَعَيُّنُ الْوَصْفِ الَّذِي بِهِ التَّعْلِيلُ وَوُجُودُ ذَلِكَ الْوَصْفِ فِي الْفَرْعِ وَنَفْيُ الْمُعَارِضِ فِي الْأَصْلِ وَنَفْيُهُ فِي الْفَرْعِ هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ دَلِيلُ الْأَصْلِ خَبَرًا، فَإِنْ كَانَ خَبَرًا كان النظر في ثمانية
1 هو أبو الحسين البصري: وقد سبق ترجمته، ونسبه هنا إلى نهر صيمر في البصرة. ٢ وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تصروا الغنم ومن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعًا من تمر". والبخاري عن أبي هريرة، كتاب البيوع، باب النهي للبائع أن لا يجعل الإبل والغنم والبقر "٢١٥٠"، وأخرجه مسلم، كتاب البيوع، باب تحريم بيع الرجل على بيع أخيه "١٥١٥"، كتاب البيوع، باب من اشترى مصراة فكرهها "٣٤٤٣". ومالك في الموطأ، كتاب البيوع، باب ما ينهى عن المساومة والمبايعة "٢/ ٦٨٣"، والبيهقي، كتاب البيوع، باب الحكم فيمن اشترى مصراة "٥/ ٣١٨". وعبد الرزاق في مصنفه "١٤٨٥٨"، وأحمد في مسنده "٢/ ٢٥٩"، وابن حبان في صحيحه "٤٩٧٠". ٣ أخرجه البخاري عن زيد بن ثابت بلفظ: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: رخص لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها من التمر". كتاب البيوع، باب بيع المزابنة "٢١٨٨". ومسلم، كتاب البيوع، باب تحريم بيع الرطب بالتمر إلا العرايا "١٥٣٩". والطبراني "٤٧٦٧". وعبد الرزاق، كتاب البيوع، باب اشتراء التمر بالتمر في رءوس النخل "١٤٤٨٦"، وأحمد في مسنده "٥/ ١٨٢" وابن حبان في صحيحه "٥٠٠١". ٤ ولفظه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يبعث معاذًا إلى اليمن قال: "كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ " قال: أقضي بكتاب الله، قال: "فإن لم تجد في كتاب الله؟ "، قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "فإن لم تجد في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في كتاب الله؟ " قال: أجتهد رأيي ولا آلو. فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره وقال: "الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يرضي رسول الله". أخرجه أبو داود، كتاب الأقضية، باب اجتهاد الرأي في القضاء "٣٥٩٢". الترمذي، كتاب الأحكام، باب ماجاء في القاضي كيف يقضي "١٢٢٧". وأخرجه أحمد "٥/ ٥٣٠". الطبراني في معجمه "٢٠/ ١٧٠" برقم "٣٦٢". والدارمي في سننه، في المقدمة برقم "١٦٨".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout