...
الْبَحْثُ السَّابِعُ: فِي التَّقْرِيرِ
وَصُورَتُهُ أَنْ يسكت النبي صلى الله عليه وسلم عَنْ إِنْكَارِ قَوْلٍ قِيلَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ فِي عَصْرِهِ وَعَلِمَ بِهِ. أَوْ "يَسْكَتَ"* عَنْ إِنْكَارِ فِعْلٍ فُعِلَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ فِي عَصْرِهِ وَعَلِمَ بِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ وَذَلِكَ كَأَكْلِ الْعِنَبِ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيُّ: وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ إِذَا دَلَّ التَّقْرِيرُ عَلَى انْتِفَاءِ الْحَرَجِ فَهَلْ يَخْتَصُّ بِمَنْ قَرَّرَ أَوْ يَعُمُّ سَائِرَ الْمُكَلَّفِينَ؟ فَذَهَبَ الْقَاضِي إِلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ التَّقْرِيرَ لَيْسَ لَهُ صِيغَةٌ تَعُمُّ وَلَا يَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِهِ.
وَقِيلَ يَعُمُّ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ إِذَا ارْتَفَعَ فِي حَقِّ وَاحِدٍ ارْتَفَعَ فِي حَقِّ الْكُلِّ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْجُوَيْنِيُّ، وَهُوَ الْحَقُّ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ خِطَابِ الْوَاحِدِ وَسَيَأْتِي١ أَنَّهُ يَكُونُ غَيْرُ الْمُخَاطَبِ بِذَلِكَ الْحُكْمِ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ كَالْمُخَاطَبِ بِهِ وَنَقَلَ هَذَا الْقَوْلَ الْمَازِرِيُّ عَنِ الْجُمْهُورِ هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنِ التَّقْرِيرُ مَخَصَّصًا لِعُمُومٍ سَابِقٍ أَمَّا إِذَا كَانَ مُخَصَّصًا لِعُمُومٍ سَابِقٍ فَيَكُونُ لِمَنْ قُرِّرَ مِنْ وَاحِدٍ أَوْ جَمَاعَةٍ وَأَمَّا إِذَا كَانَ التَّقْرِيرُ فِي شَيْءٍ قَدْ سَبَقَ تَحْرِيمُهُ فَيَكُونُ نَاسِخًا لِذَلِكَ التَّحْرِيمِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ وَهُوَ الْحَقُّ.
وَمِمَّا يَنْدَرِجُ تَحْتَ التَّقْرِيرِ إِذَا قَالَ الصَّحَابِيُّ كُنَّا نَفْعَلُ كَذَا أَوْ كَانُوا يَفْعَلُونَ كَذَا، وَأَضَافَهُ إِلَى عَصْرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَكَانَ مِمَّا لَا يَخْفَى مِثْلُهُ عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَخْفَى مِثْلُهُ عَلَيْهِ فَلَا وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ التَّقْرِيرُ عَلَى الْقَوْلِ والفعل منه صلى الله عليه وسلم مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْإِنْكَارِ كَذَا قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ. وَخَالَفَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ، فَقَالُوا: إِنَّ مِنْ خَصَائِصِهِ صلى الله عليه وسلم عَدَمَ سُقُوطِ وُجُوبِ تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ بِالْخَوْفِ عَلَى النَّفْسِ لِإِخْبَارِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِعِصْمَتِهِ فِي قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاس﴾ ٢ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمُقَرَّرُ مُنْقَادًا لِلشَّرْعِ، فَلَا يَكُونُ تَقْرِيرُ الْكَافِرِ عَلَى قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ دَالًّا عَلَى الْجَوَازِ.
قَالَ الْجُوَيْنِيُّ: وَيَلْحَقُ بِالْكَافِرِ الْمُنَافِقُ وَخَالَفَهُ الْمَازِرِيُّ، وَقَالَ: إِنَّا نُجْرِي عَلَى الْمُنَافِقِ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ ظَاهِرًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي الظَّاهِرِ. وَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ كَثِيرًا مَا يَسْكُتُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ لِعِلْمِهِ أَنَّ الْمَوْعِظَةَ لَا تَنْفَعُهُمْ.
وَإِذَا وَقَعَ من النبي صلى الله عليه وسلم الِاسْتِبْشَارُ بِفِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ، فَهُوَ أَقْوَى في الدلالة على الجواز.
1 * في "أ": أو سكت. _________ ١ انظر صفحة: "٣٢٤". ٢ جزء من الآية "٦٧" من سورة المائدة.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout