مَعْصُومُونَ عَنِ الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ جَمِيعًا، وَقَالَ: إِنَّهُ الذين نَدِينُ اللَّهَ بِهِ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ بُرْهَانٍ، وَحَكَاهُ النَّوَوِيُّ١ فِي "زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ"٢ عَنِ الْمُحَقِّقِينَ. قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ٣: وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا يَعْنِي الشَّافِعِيَّةَ، وَمَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ فَيُحْمَلُ على ترك الأول.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضُ: يُحْمَلُ عَلَى مَا قَبْلَ النُّبُوَّةِ، أَوْ عَلَى أَنَّهُمْ فَعَلُوهُ بِتَأْوِيلٍ.
وَاخْتَارَ الرَّازِيُّ الْعِصْمَةَ عَمْدًا وَجَوَّزَهَا سَهْوًا.
وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْعِصْمَةِ فَقِيلَ: هُوَ أَنْ لَا يُمَكَّنَ الْمَعْصُومُ مِنَ الْإِتْيَانِ بِالْمَعْصِيَةِ.
وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَخْتَصَّ فِي نَفْسِهِ أَوْ بَدَنِهِ بِخَاصِّيَّةٍ تَقْتَضِي امْتِنَاعَ إِقْدَامِهِ عَلَيْهَا.
وَقِيلَ: إِنَّهَا الْقُدْرَةُ عَلَى الطَّاعَةِ وَعَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ.
وَقِيلَ: إِنَّ اللَّهَ مَنَعَهُمْ مِنْهَا بِأَلْطَافِهِ بِهِمْ فَصَرَفَ دَوَاعِيَهُمْ عَنْهَا.
وَقِيلَ: إِنَّهَا "تَهْيِئَةُ"* الْعَبْدِ لِلْمُوَافَقَةِ مُطْلَقًا، وَذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى خَلْقِ الْقُدْرَةِ عَلَى كُلِّ طَاعَةٍ.
فَإِنْ قُلْتَ: فَمَا تَقُولُ فِيمَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ مَنْسُوبًا إِلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَأَوَّلُهُمْ أَبُونَا آدَمُ عليه السلام. فَإِنَّ الله يقول: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّه فَغَوَىْ﴾ ٤.
قُلْتُ: قَدْ قَدَّمْنَا٥ وُقُوعَ الْإِجْمَاعِ عَلَى امْتِنَاعِ الْكَبَائِرِ مِنْهُمْ بَعْدَ النُّبُوَّةِ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَأْوِيلِ ذَلِكَ بِمَا يُخْرِجُهُ عَنْ ظَاهِرِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ. وَهَكَذَا يُحْمَلُ مَا وَقَعَ مِنْ إبراهيم عليه السلام من
1 * من "أ": بتهيئة. _________ ١ هو يحيى بن شرف، النووي الدمشقي، الشافعي، محيي الدين، أبو زكرياء، ولد سنة إحدى وثلاثين وستمائة هـ، في قرية نوى جنوب سورية، وتوفي فيها سنة ست وسبعين وستمائة هـ، من آثاره: "شرح المهذب" "شرح صحيح مسلم" "رياض الصالحين" "الأذكار" وغيرها. ا. هـ. معجم المؤلفين "١٣/ ٢٠٢"، الأعلام "٨/ ١٤٩"، شذرات الذهب "٥/ ٣٥٤". ٢ في فروع الشافعية، وهو عبارة عن مختصر لشرح "الوجيز" للرافعي واسمه "روضة الطالبين وعمدة المفتين" فاعتنى به العلماء، فشرحوه، واختصروه ونظموه، ووضعت عليه زيادات، منها: زيادات الإمام السيوطي. ا. هـ. كشف الظنون "١/ ٩٢٩". ٣ هو حسين بن محمد بن أحمد، أبو علي، العلامة، شيخ الشافعية، بخراسان، تفقه عليه خلق كثير، منهم: إمام الحرمين، ومحيي السنة، توفي سنة اثنتين وستين وأربعمائة. من آثاره: "التعليقة الكبرى" "الفتاوى" وغيرها. ا. هـ. سير أعلام النبلاء "١٨/ ٢٦٠" شذرات الذهب "٣/ ٣١٠"، إيضاح المكنون "٢/ ١٨٨". ٤ جزء من الآية "١٢١" من سورة طه. ٥ انظر صفحة: "٩٨".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout