وَقَدْ اسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ تَارِكَ الصَّلَاةَ يُقْتَلُ لِتَرْكِهَا لِأَنَّ تَرْكَهَا يُسَمَّى مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ: مِنْهُمْ مَنْ يَكَفِّرُ تَارِكُ الصَّلَاةِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُكَفِّرُهُ وَاسْتَدَلَّ بَعْضُ مَنْ يُكَفِّرُهُ بِالْحَدِيثِ الْآخَرِ وَهُوَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: "أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ" ١ قَالَ: فَوَجْهُ الدَّلِيلِ أَنَّهُ وَقْفَ الْعِصْمَةَ عَلَى مَجْمُوعِ الشَّهَادَتَيْنِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْمُرَتَّبِ عَلَى أَشْيَاءَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِمَجْمُوعِهَا وَيَنْتَفِي بِانْتِفَائِهَا وَهَذَا إنْ قَصَدَ بِهِ الِاسْتِدْلَالُ بِالْمَنْطُوقِ وَهُوَ قَوْلُهُ: "أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ ... " الخ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الْأَمْرَ بِالْقِتَالِ إلَى هَذِهِ الْغَايَةِ - فَقَدْ ذَهَلَ وَسَهًا لِأَنَّهُ فَرَّقٌ بَيْنَ الْمُقَاتَلَةِ عَلَى الشَّيْءِ وَالْقَتْلِ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْمُقَاتَلَةَ مُفَاعَلَةٌ تَقْتَضِي الْحُصُولَ مِنْ الْجَانِبَيْنَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِ الْمُقَاتِلَةِ عَلَى الصَّلَاةِ وُجُوبُ الْقَتْلِ عَلَيْهَا إذَا تَرَكَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقَاتِلْنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: "الثَّيِّبِ الزَّانِي" هُوَ الْمُحْصَنُ وَيَدْخُلُ فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَنَّ حُكْمَ الزَّانِي الرَّجْمَ بِشُرُوطِهِ الْمَذْكُورَةِ فِي أَبْوَابِ الْفِقْهِ.
وَقَوْلُه: "النَّفْسِ بِالنَّفْسِ" مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ٢. وَيَعْنِي بِهِ النُّفُوسُ الْمُكْتَافِئَةُ فِي الْإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: "لَا يَقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ" ٣ وَكَذَلِكَ الْحُرِّيَّةُ شَرْطٌ فِي الْمُكَافَأَةِ عِنْدَ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ. وَذَهَبَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ إلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ يُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ، وَأَنَّ الْحُرَّ يُقْتَلُ بِالْعَبْدِ، وَقَدْ يَسْتَدِلُّونَ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَالْجُمْهُورِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ.
1 رواه البخاري في الإيمان باب فإن تابوا وأقاموا الصلاة حديث رقم ٢٥، ومسلم أيضًا عن ابن عمر. ٢ سورة المائدة: الآية ٤٥. ٣ رواه البخاري في الديات باب لا يقتل مسلم بكافر حديث رقم ٦٩١٥.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout