كَانَتْ مُطْلَقَةً يَقْتَضِي التَّكْرَارَ أَوْ عَدَمَهُ لَمْ يَقُلْ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: "لَوْ قُلْت نَعَمْ لَوَجَبْت وَلَمَّا اسْتَطَعْتُمْ" بَلْ وَلَمْ يَكُنْ حَاجَةً إلَى السُّؤَالِ بَلْ مُطْلَقُهُ مَحْمُولٌ عَلَى كَذَا. وَأَجْمَعَتْ الْأَمَةُ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ لَا يَجِبُ فِي الْعُمْرِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً بِأَصْلِ الشَّرْعِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: "ذُرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ" فَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْأَمْرَ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ وَيَدُلُّ هَذَا اللَّفْظُ أَيْضًَا عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ وَأَنَّهُ لَا حُكْمَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ.
وَقَوْلُه: "لَوْ قُلْت نَعَمْ لَوَجَبْت" دَلِيلٌ لِلْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ فِي أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي الْأَحْكَامِ وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي حُكْمِهِ أَنْ يَكُونَ بِوَحْيَ.
وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: "وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَأْتَوْا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ" هَذَا مِنْ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ الْمُهِمَّةِ وَمِمَّا أُوتِيهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلْمِ وَيَدْخُلُ فِيهِ مَا لَا يُحْصَى مِنْ الْأَحْكَامِ كَالصَّلَاةِ إذَا عَجَزَ عَنْ بَعْضِ أَرْكَانِهَا أَوْ بَعْضِ شُرُوطِهَا أَتَى بِالْبَاقِي وَإِذَا عَجَزَ عَنْ غَسْلِ بَعْضِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ غَسْلُ الْمُمْكِنِ وَكَذَلِكَ إذَا وَجَبَتْ فِطْرَةُ جَمَاعَةٍ مِمَّنْ يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ وَكَذَلِكَ أَيْضًَا فِي إزَالَةِ الْمُنْكَرَاتِ إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ إزَالَةُ جَمِيعِهَا فِعْلُ الْمُمْكِنِ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَنْحَصِرُ وَهُوَ مَشْهُورٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فََاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسِْتَطَعْتُمْ﴾ ١. وأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿َيًّا يَا أََيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ ٢. فَقِيلُ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فََاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ . قَال بعضهم: وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَيْسْتَ
1 سورة التغابن: الآية ١٦. ٢ سورة آل عمران: الآية ١٠٢.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout