إلَى قَوْلِهِ: "فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا" الْمُرَادُ: أَنَّ هَذَا قَدْ يَقَعُ فِي نَادِرٍ مِنْ النَّاسِ لَا أَنَّهُ غَالِبٌ فِيهِمْ وَذَلِكَ مِنْ لَطْفِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَسَعَةَ رَحْمَتِهِ فَإِنَّ انْقِلَابَ النَّاسِ مِنْ الشَّرِّ إلَى الْخَيْرِ كَثِيرٌ، وَأَمَّا انْقِلَابُهُمْ مِنْ الْخَيْرِ إلَى الشَّرِّ فَفِي غَايَةِ النُّدُورِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ تَجَوُّزٌ، وَقَوْلُهُ: "إنْ رَحْمَتِي سَبَقْتْ غَضْبِي" وَفِي رِوَايَةٍ "تَغْلِبُ غَضْبِي".
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إثْبَاتُ الْقَدْرِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأَنَّ جَمِيعَ الْوَاقِعَاتِ بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدَّرُهُ خَيْرُهَا وَشَرِّهَا نَفْعُهَا وَضَرُّهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ ١. وَلا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ فِي مِلْكِهِ يَفْعَلُ فِي مِلْكِهِ مَا يَشَاءُ. قَالَ الْإِمَامُ السَّمْعَانِيُّ: سَبِيلٌ مَعْرِفَةُ هَذَا الْبَابِ: التَّوْفِيقُ مِنْ الْكِتَابَةِ وَالسُّنَّةِ دُونَ مَحْضِ الْقِيَاسِ وَمُجَرَّدِ الْعُقُولِ فَمَنْ عَدَلَ عَنْ التَّوْفِيقِ مِنْهُ ضَلَّ وَتَاهُ فِي مَجَالِ الْحِيرَةِ وَلَمْ يَبْلُغْ شِفَاءُ النَّفْسِ وَلَا يَصِلُ إلَى مَا يُطْمَئِنَّ بِهِ الْقَلْبُ لِأَنَّ الْقَدْرَ سِرٌّ مِنْ أَسْرَارِ اللَّهِ تَعَالَى ضَرَبَتْ دُونَهُ الْأَسْتَارَ وَاخْتَصَّ سُبْحَانَهُ بِهِ وَحَجَبَهُ عَنْ عُقُولِ الْخَلْقِ وَمَعَارِفِهِمْ، وَقَدْ حَجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عِلِمَ الْقَدْرَ عَنْ الْعَالِمِ فَلَا يَعْلَمُهُ مِلْكٌ وَلَا نَبِيُّ مُرْسَلً، وَقِيلَ إنَّ سِرَّ الْقَدْرَ يَنْكَشِفُ لَهُمْ إذَا دَخَلُوا الْجَنَّةَ وَلَا يَنْكَشِفُ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَقَدْ ثَبَتَتْ الْأَحَادِيثُ بِالنَّهْيِ عَنْ تَرْكِ الْعَمَلِ اتِّكَالًًا عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ الْقَدْرِ بَلْ تَجِبُ الْأَعْمَالُ وَالتَّكَالِيفُ الَّتِي وَرَدَ بِهَا الشَّرْعُ وَكُلُّ مُيْسِرٍ لِمَا خُلِقَ لَهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى غَيْرِهِ فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ يُسِرُّهُ اللَّهُ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ يُسِرُّهُ اللَّهُ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ... فَسَنُيَسِّرُهُ
1 سورة الأنبياء: الآية ٢٣
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout