الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ
اتَّفَقُوا فِي الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ الْمُتَقَابِلَةِ بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ عَلَى اسْتِحَالَةِ التَّعَادُلِ بَيْنَهَا.
وَذَلِكَ لِأَنَّ دَلَالَةَ الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَدْلُولُهَا حَاصِلًا (١)، فَلَوْ تَعَادَلَ الدَّلِيلَانِ فِي نَفْسَيْهِمَا لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ حُصُولُ مَدْلُولَيْهِمَا كَالدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى حُدُوثِ الْعَالَمِ وَالدَّالِّ عَلَى قِدَمِهِ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ اجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ وَهُوَ مُحَالٌ.
وَاخْتَلَفُوا فِي تَعَادُلِ الْأَمَارَاتِ الظَّنِّيَّةِ.
فَذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالْكَرْخِيُّ إِلَى الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ.
وَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَالْجُبَّائِيُّ وَابْنُهُ (٢)، وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ إِلَى جَوَازِهِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوِ اسْتَحَالَ تَعَادُلُ الْأَمَارَتَيْنِ فِي نَفْسَيْهِمَا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُحَالًا فِي ذَاتِهِ، أَوْ لِدَلِيلٍ خَارِجٍ، الْأَوَّلُ مُمْتَنِعٌ ; فَإِنَّا لَوْ قَدَّرْنَا ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ عَنْهُ لِذَاتِهِ مُحَالٌ عَقْلًا (٣)، وَإِنْ كَانَ الدَّلِيلُ مِنْ خَارِجٍ عَقْلِيًّا كَانَ أَوْ شَرْعِيًّا فَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَعَلَى مُدَّعِيهِ بَيَانُهُ. (٤)
1 (١) لِأَنَّ دَلَالَةَ الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَدْلُولُهَا حَاصِلًا، هَكَذَا بِالنُّسَخِ الْمَطْبُوعَةِ، وَفِي الْمَخْطُوطَةِ: (يَجِبُ أَنَّ مَدْلُولَهَا عَلَى مَا دَامَتْ عَلَيْهِ)، وَلَعَلَّ الصَّوَابَ (لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ الْعَقْلِيَّةَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَدْلُولُهَا حَاصِلًا) ; إِذْ هُوَ الْمُنَاسِبُ لِمَا بَعْدَهُ مِنَ التَّفْرِيعِ ; لِأَنَّ الدَّلَالَةَ لَا مَدْلُولَ لَهَا، إِنَّمَا هِيَ نِسْبَةٌ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَمَدْلُولِهَا. (٢) الْكَرْخِيُّ هُوَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ دَلْهَمُ بْنُ دَلَّالٍ الْبَغْدَادِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الطَّيِّبِ الْبَاقِلَّانِيُّ، وَالْجُبَّائِيُّ هُوَ أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْمُعْتَزِلِيُّ، وَابْنُهُ هُوَ أَبُو هَاشِمٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْجُبَّائِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ تَرَاجِمُهُمْ تَعْلِيقًا. (٣) تَقَدَّمَ مَا فِيهِ تَعْلِيقًا ص ١٣٧ ج ٤. (٤) يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْأَدِلَّةَ مُطْلَقًا سَمْعِيَّةٌ، أَمْ عَقْلِيَّةٌ قَطْعِيَّةٌ، أَمْ ظَنِّيَّةٌ إِنِ اعْتُبِرَتْ بِالْوَاقِعِ، لَمْ يَكُنْ بَيْنَهَا تَعَادُلٌ، بَلْ مَا وَافَقَ الْوَاقِعَ كَانَ حَقًّا صَوَابًا، وَمَا خَالَفَهُ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ نُظِرَ إِلَيْهَا مِنْ جِهَةِ دَلَالَتِهَا فِي نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ، فَقَدْ تَتَعَادَلُ لِتَفَاوُتِ الْمُجْتَهِدِينَ اسْتِعْدَادًا وَاطِّلَاعًا وَبَحْثًا، وَالْمُخْطِئُ لِعَدَمِ بُلُوغِ الْمُرَجِّحِ، أَوْ مَا يُزِيلُ اللَّبْسَ عَنْهُ مَأْجُورٌ مَعْذُورٌ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout