وَلِعُمْرِي إنْ أَوْلَى النَّاسَ أَلَا يَحْتَجُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ يَرَى قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِلْمَعْرُوفٍ حَقًّا عَلَى لِمُتَقِينَ﴾ لَيْسَ فَرْضًا بَلْ قَالُوا الْمُتْعَةُ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ فَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ كَوْنَ الْمَرْءِ مِنْ الْمُتَّقِينِ لَيْسَ عَلَيْهِ بِوَاجِبٍ لَا سِيَّمَا وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَعْنَى الْحَضِّ لَا الْإِيجَابِ وَفِي الْآيَةِ الَّتِي تَلَوْنَا لَفْظَ مَعْنَى الْفَرْضِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِلْمَعْرُوفٍ حَقًّا عَلَى لِمُتَقِينٍ﴾ وَكُلُّ مُسْلِمٍ لَفْظَ
بِالتَّوْحِيدِ اتَّقَى النَّارَ فَهُوَ مُتَّقٌ إلَّا أَنَّ لَفْظَ الْمُتَّقِينِ لَا يُطْلَقُ إلَّا عَلَى الْمُسْتَكْمِلِينَ لِدَرَجَةِ الْخَوْفِ
كَمَا أَنَّ مَنْ صَلَحَ فِي فِعْلَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ أَفْعَالِهِ فَهُوَ صَالِحٌ وَمَنْ فَعَلَ فَضْلًا فَهُوَ بِهِ فَاضِلٌ إلَّا أَنَّهُ بِلَا خِلَافٍ لَا يُطْلَقُ عَلَى الْمَرْءِ اسْمُ صَالِحٍ وَفَاضِلٌ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَبْلُغَ الْغَايَةَ الَّتِي تَمْكِنُهُ مِنْ الطَّاعَاتِ وَالْوَرَعِ وَمَعَاذِ اللَّهِ أَنْ يَقُولَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكَلَامَ الْمَذْكُورَ إلَّا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ هَذَا إنْ صَحَّ عَنْهُ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ظَنَّ خُصُومِنَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ حَقًّا لَكَانَ نَصُّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى تَرْكِ مَا لَا بَأْسَ بِهِ أَعْظَمُ الْحُكْمَ بِأَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ لِأَنَّ مَا لَا بَأْسَ بِهِ هُوَ الْمُبَاحُ فِعْلُهُ فَكَانَ عَلَى هَذَا الظَّنِّ الْفَاسِدِ يَكُونُ الْمُبَاحُ مَحْظُورًا وَهَذَا فَاسِدٌ لَا يَظُنُّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُهُ إلَّا جَاهِلٌ أَوْ كَافِرٌ لِأَنَّهُ يُنْسَبُ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إبَاحَةَ الشَّيْءِ لِلنَّاسِ وَنَهْيِهِمْ عَنْهُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَهَذَا مُحَالٌ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لا يُكَلَّفُ لِلَّهِ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا كَتَسَبْتُ رَبَّنَا لَا تُؤَاخَذْنَا إنْ نَسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلُ عَلَيْنَآ إصْرًا كَمَا حَمَلْتهُ عَلَى لَذِيْنِ مَنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَعَفّ عَنّا وَغُفَرَ لَنَا وَرَحْمْنَآ أَنْتَ مَوْلَانَا فَنَصَرْنَا عَلَى لُقَوْمٍ لِكَافِرِينَ﴾ وَلَيْسَ اسْتِبَاحَةَ الشَّيْءِ وَإِيجَابِ الِامْتِنَاعِ مِنْهُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فِي وُسْعِ أَحَدٍ فَاَللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَكْذَبَ مِنْ ظَنِّ هَذَا الظَّنِّ وَصَحَّ أَنَّ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ لَوْ صَحَّ إنَّمَا هُوَ عَلَى الْحَضِّ لَا عَلَى الْإِيحَابِ فَلَوْ كَانَ الْمُشْتَبُهُ حَرَامًا وَفَرْضًا تَرْكَهُ لَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ نَهَى عَنْهُ وَلَكِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ لَكِنَّهُ حَضٌّ عَلَى تَرْكِهِ وَخَافَ عَلَى مَوَاقِعِهِ أَنْ يُقَدِّمَ عَلَى الْحَرَامِ وَنَظَرَ ذَلِكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالرَّاتِعِ حَوْلَ الْحُمَّى فَالْحُمَّى هُوَ الْحَرَامُ وَمَا حَوْلَ الْحُمَّى لَيْسَ مِنْ الْحُمَّى وَالْمُشْتَبِهَاتِ لَيْسَ مِنْ الْحَرَامِ وَمَا لَمْ يَكُنْ حَرَامًا فَهُوَ حَلَالٌ وَهَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَهَذَا هُوَ الْوَرَعُ الَّذِي يَحْمَدُ فَاعِلُهُ وَيُؤَجِّرُ وَلَا يَذُمُّ تَارِكُهُ وَلَا يَأْثَمُ مَا لَمْ يُوَاقِعْ الْحَرَامَ الْبَيْنَ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout