قال أبو محمد وَقَدْ ادَّعَى قَوْمٌ فِي قَوْله
تَعَالَى ﴿لْآنَ خَفَّفَ لِلَّهِ عَنْكُمْ وَعُلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةً صَابِرَةً يَغْلِبُوا مِئْتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنٍ لِلَّهِ وَلِلَّهِ مَعَ لِصَابِرِينِ﴾ إِنَّهُ نُسِخٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَأَيُّهَا لِنَبِيِّ حَرْضٍ لِمُؤْمِنِينَ عَلَى لِقِتَالٍ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِئْتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةً يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنْ لِذِيْنٍ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ قَالَ أَبُو محمّد وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ إجْمَاعًا وَلَا فِيهِ بَيَانُ نُسْخٍ وَلَا نُسْخَ عِنْدَنَا فِي هَذِهِ الْآيَاتِ أَصْلًا وَإِنَّمَا هِيَ فَرْضُ الْبَرَازِ لِلْمُشْرِكِينَ وَأَمَّا بَعْدَ اللِّقَاءِ فَلَا يَحِلُّ لِوَاحِدِ
مِنَّا أَنْ يُوَلِّيَ دُبُرَهُ جَمِيعَ مَنْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ إلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إلَى فِئَةٍ عَلَى مَا نُبَيِّنُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ مَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ زَمَنًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَيْسَ عَلَى لِضُعْفَآءَ وَلَا عَلَى لِمَرْضًى وَلَا عَلَى لِذِينٍ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى لِمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَلِلّهِ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَإِنْ قَالُوا إنَّ الضَّعِيفَ الْقَلْبَ مَعْذُورٌ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي جُمْلَةِ الضُّعَفَاءِ قِيلَ لَهُمْ هَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ مَنْ رَضِيَ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْخَوَالِفِ لِضَعْفِ قَلْبِهِ مُلُومٌ بِالنَّصِّ غَيْرَ مَعْذُورٍ وَأَيْضًا فَإِنْ ضَعَّفَ الْقَلْبَ قَدْ نُهِيْنَا عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿َوْلَا تَهْنُّوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الْأَعْلُونَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَعَالَى أَرَادَ وَهُنَّ الْبَدَنَ لِأَنَّهُ لَا يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ أَصْلًا وَاَللَّهُ تَعَالَى لَا يُكَلَّفُ إلَّا مَا نُطِيقُ وَضَعْفَ الْقَلْبَ مَقْدُورٌ عَلَى دَفْعِهِ وَلَوْ أَرَادَ الْجُبَّانَ أَنْ يَثْبُتَ لَثَبَتَ وَلَكِنَّهُ آثَرُ هَوَاهُ وَالْفِرَارُ عَلَى مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْ إدْرَاكِهِ مِنْ الْمَوْتِ الَّذِي لَا يَعْدُو وَقْعَهُ وَلَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ وَهَذَا بَيْنٌ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ وَالْعَجَبُ مِمَّنْ يَقُولُ إنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مُبِيحَةٌ لِهُرُوبٍ وَاحِدٍ أَمَامَ ثَلَاثَةٌ فَلَيْت شِعْرِي مِنْ أَيْنَ وَقَعَ لَهُمْ ذَلِكَ وَهَلْ فِي الْآيَةِ الَّتِي ذَكَرُوا فِرَارًا أَوْ تَوْلِيَةَ دُبُرٍ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ أَوْ إشَارَةٍ إلَيْهِ وَدَلِيلٌ عَلَيْهِ مَا فِي الْآيَةِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَتَّةِ وَإِنَّمَا فِيهَا أَخْبَارٌ عَنْ الْغَلَبَةِ فَقَطْ بِشَرْطِ الصَّبْرِ وَتَبْشِيرٌ بِالنَّصْرِ مَعَ الثَّبَاتِ وَلَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَشَدُّ النَّاسِ حَيَاءً مِنْ الِاحْتِجَاجِ بِهَذِهِ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout