وَالْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَأَبْيَنُ أَنْ يُحْمِلَنَهَا وَأَشْفَقَنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إنَّهُ كَانَ ظُلُومًا جُهُولًا﴾ قَالَ عَلَيٌّ وَهَذَا أَيْضًا عِنْدَنَا عَلَى الْحَقِيقَةِ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَضَعَ فِيهَا التَّمْيِيزُ إذْ خَيَّرُهَا فَلَمَّا أَبَتْ حَمْلَ الشَّرَائِعِ وَأَشْفَقَتْ مِنْ تَحَمُّلِ الْأَمَانَةِ سَلَبُهَا إيَّاهُ وَسَقَطَتْ الْكَلْفُ عَنْهَا وَمُمْكِنٌ أَنْ يَكُونَ عَلَى نَقْلِ اللَّفْظِ أَيْضًا وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّهَا لَمْ يَحْمِلْهَا إذَا لَمْ يَرْكَبْ تَعَالَى فِيهَا قُوَّةُ الْفَهْمِ وَالْعَقْلِ وَلَا النَّفْسِ الْمُخْتَارَةِ الْمُمَيِّزَةِ وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَأَشْعَارِهَا فَإِنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ إذَا أَرَادَتْ أَنْ تَمْدَحَ أَبَى ذَلِكَ سُؤَدِّدُك وَإِذَا أَرَادَتْ الذَّمُّ أَبَى ذَلِكَ لُؤُمَك أَيْ إنْ سُؤَدِّدَك غَيْرَ قَابِلٍ لِهَذِهِ الْفِعْلَةِ لِمُضَادَّتِهَا لَهُ وَكَذَلِكَ فِي الذَّمِّ أَيْ إنْ لُؤُمَك غَيْرَ قَابِلٍ لِهَذِهِ الْمُكَرِمَةِ لِمُضَادَّتِهَا لَهُ فَعَلَى هَذَا كَانَتْ إبَايَةُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا عَلَى مَا سِوَاهُ إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ أَصَحُّ وَبِهِ نَقُولُ وَإِنَّمَا فَرَّقْنَا بَيْنَ هَذَا فِي هَذَا الْوَجْهِ وَبَيْنَ مَا قُلْنَا آنِفًا فِي إنْطَاقِ جَهَنَّمَ لِأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كُلُّهُ عِنْدَنَا بَيَانٌ لَنَا وَجَارٍ عَلَى مَعْهُودِ مَا أَوْجَبَهُ فَهَمْنَا بِإِدْرَاكِ عُقُولِنَا وَحَوَاسِنَا وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿ثُمَ سِوَاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمْ لِسَمْعٍ وَلِأَبْصَارٍ وَلِأَفْئِدَةٍ قَلِيلًا مَا تُشْكَّرُونَ﴾ وَحَضَنَا تَعَالَى عَلَى التَّفْكِيرِ وَالتَّدَبُّرِ لِلْقُرْآنِ وَأَخْبَرَنَا بِأَنَّهُ بَيَانٌ لَنَا وَكُلُّ ذَلِكَ يَكُونُ إلَّا بِمَا تَمَيَّزُهُ عُقُولُنَا لَا بِمَا يُضَادُهَا فَلَمَّا صَحَّ ذَلِكَ كُلُّهُ وَأَدَانَا
التَّدْبِيرُ وَالْبَصَرُ وَالسَّمْعُ وَالْعَقْلُ إلَى أَنَّ السَّمَوَاتِ جَمَادَاتٌ لَا تَعْقِلُ
وَأَنَّ الْأَرْضَ كَذَلِكَ وَأَنَّ حَدَّ النُّطْقِ هُوَ التَّمْيِيزُ لِلْأَشْيَاءِ وَأَنَّ التَّمْيِيزَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي حَيٍّ وَأَنَّ الْحَيَّ هُوَ الْحِسَّاسُ الْمُتَحَرِّكُ بِإِرَادَةٍ وَأَنَّ الْمُمَيِّزَ هُوَ بَعْضُ الْحَيِّ لَا كُلُّهُ وَأَنَّ حَدَّ التَّمْيِيزِ هُوَ إمْكَانُ مَعْرِفَةِ الْأَشْيَاءِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ وَإِمْكَانُ التَّصَرُّفِ فِي الصِّنَاعَاتِ وَالْأَعْمَالِ الْمُخْتَلِفَةِ بِإِرَادَةٍ وَأَيْقُنَا أَنَّ كُلَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ لَيْسَتْ الْأَرْضَ وَلَا الْأَفْلَاكُ وَلَا الْجِبَالُ لَهُ حَامِلَةٌ عَلِمْنَا أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ الَّتِي أَخْبَرَنَا بِهَا تَعَالَى عَنْ هَذِهِ الَّتِي لَيْسَتْ أَحْيَاءَ لَفْظَةٍ مَنْقُولَةٍ عَنْ مَعْهُودِهَا عِنْدَنَا إلَى مَعَانٍ أَخْرَ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout