مِنْ الْكَدْرِ وَالْمُضَارِّ الْخَالِدِ أَبَدًا حَمْقَ شَدِيدٌ وَعَدَمُ لِلْعَقْلِ الْبَتَّةَ وَلَوْ أَنَّ أَمْرَأَ خَيْرٌ فِي دُنْيَاهُ بَيْنَ سُكْنَاهُ مِائَةً عَامٍّ فِي قَصْرِ أَنِيقٍ وَاسِعُ ذِي بَسَاتَيْنِ وَأَنْهَارٍ وَرِيَاضٍ وَأَشْجَارٍ وَنَوَاوِيرَ وَأَزْهَارٍ وَخَدَمٍ وَعُبِيْدٍ وَأَمْنٍ فَاشٍ وَمِلْكَ ظَاهِرٌ وَمَالٍ عَرِيضٍ إلَّا أَنَّ فِي طَرِيقِهِ إلَى ذَلِكَ مَشْيُ يَوْمٍ كَامِلٍ فِي طَرِيقٍ فِيهَا بَعْضُ الْحُزُونَةِ لَا كُلُّهَا وَبَيْنَ أَنْ يَمْشِيَ ذَلِكَ الْيَوْمَ فِي طَرِيقٍ فِيهَا مُرْوجٌ حَسَنَةً وَفِي خِلَالِهَا مَهَالِكٌ وَمَخَاوِفٌ وَظَلَالُ طَيِّبَةٍ وَفِي أَثْنَائِهَا أَهْوَالٌ وَمُتَالِفٌ ثُمَّ يُفْضِي عِنْدَ تَمَامِ ذَلِكَ الْيَوْمِ إلَى دَارِ ضَيِّقَةٍ وَمَجْلِسٍ ضَنِّك ذِي نَكْدٍ وَشِقَاءٍ وَخَوْفٍ وَفَقْرٍ وَإِقْلَالٍ فَيَسْكُنُهَا مِائَةً عَامٍّ فَاخْتَارَ هَذِهِ الدَّارَ الْحُرْجَةَ لِسُرُورِ يَوْمٍ مَمْزُوجٍ بِشَوَائِبِ الْبَلَاءِ يَلْقَاهُ فِي طَرِيقِهِ نَحْوَهَا لَكَانَ عِنْدَ كُلِّ مَنْ سَمِعَ خَبَرَهُ ذَا آفَةٍ شَدِيدَةً فِي تَمْيِيزِهِ وَفَاسِدِ الْعَقْلِ جِدًّا ظَاهِرُ الْحَمْقِ رَدِيءُ الِاخْتِيَارِ مَذْمُومًا مَدْحُورًا مُلُومًا وَهَذِهِ حَالٌ مِنْ آثَرَ عَاجِلٍ دُنْيَاهُ عَلَى آجِلٍ أُخْرَاهُ فَكَيْفَ بِمَنْ اخْتَارَ فَانِيًا عَنْ قَرِيبٍ عَلَى مَا لَا يَتَنَاهَى أَبَدًا اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ شَاكًّا فِي مَنْقَلِبِهِ مُتَحَيِّرًا فِي مَصِيرِهِ فَتِلْكَ أَسْوَأَ بَلْ هِيَ الَّتِي لَا شَوَى لَهَا نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْخُذْلَانِ وَنَسْأَلُهُ التَّوْفِيقُ وَالْعِصْمَةُ بِمِنْهُ آمِينَ وَكُلُّ مَا قُلْنَا فَلَمْ نَقَلْهُ جُزَافًا بَلْ لَمْ نَقُلْ كَلِمَةً فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إلَّا مِمَّا قَالَهُ اللَّهُ تَعَالَى شَاهِدًا بِصِحَّتِهِ وَمَيْزِهِ الْعَقْلُ عَالِمًا بِحَقِيقَتِهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ابْتَلَى الْأُمَمَ السَّالِفَةَ بِأَنْبِيَاءَ ابْتَعَثَهِمْ إلَى قَوْمِهِمْ خَاصَّةً فَمُؤْمِنٌ وَكَافِرٌ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ثُمَّ إنَّهُ تَعَالَى بَعَثَ نَبِيّهُ الْمُخْتَارَ وَعَبْدَهُ الْمُنْتَخَبُ مِنْ جَمِيعِ وَلَدِ آدَمَ مُحَمّدًا صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْهَاشِمِيّ الْمَكِّيّ إلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ مِنْ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فَنُسِخَ بِمِلَّتِهِ جَمِيعَ الْمِلَلِ وَخَتَمَ بِهِ الرُّسُلُ وَخَصَّهُ بِهَذِهِ الْكَرَامَةِ وَسُودِهِ عَلَى جَمِيعِ أَنْبِيَائِهِ وَاتَّخَذَ صَفْيًّا وَنَجِيًا وَخَلِيلًا وَرَسُولًا فَلَا نَبِيّ بَعْدَهُ وَلَا شَرِيعَةَ بَعْدَ شَرِيعَتِهِ إلَى انْقِضَاءِ الدُّنْيَا
وَإِذْ قَدْ تَيَقَّنَا أَنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ دَارَ قَرَارٍ وَلَكِنَّهَا دَارُ ابْتِلَاءً وَاخْتِبَارُ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout