وَعَلَى اعْتِقَادِ ذَلِكَ عِلْمًا وَعَلَى إظْهَارٍ بِاللِّسَانِ وَحَرَكَاتِ الْجِسْمِ فِعْلًا وَبِهَذِهِ الْقُوَّةِ الَّتِي هِيَ الْعَقْلُ تَتَأَيَّدُ النَّفْسَ الْمُوَفَّقَةَ لِطَاعَتِهِ عَلَى كَرَاهِيَةِ الْحَودِ عَنْ الْحَقِّ وَعَلَى رَفْضِ مَا قَادَ إلَيْهِ الْجَهْلُ وَالشَّهْوَةُ وَالْغَضَبُ الْمُوْلِدُ لِلْعَصْبِيَّةِ وَحَمْيَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ فَمَنْ اتَّبَعَ مَا أَنَارَهُ لَهُ الْعَقْلُ الصَّحِيحُ نَجًّا وَفَازَ وَمَنْ عَاجَ عَنْهُ هَلَكَ وَرُبَّمَا أَهْلَكَ قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لِذُكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَلَيٌّ أَرَادَ بِذَلِكَ الْعَقْلَ وَأَمَّا الْمُضْغَةُ الْمُسَمَّاةُ قَلْبًا فَهِيَ لِكُلِّ أَحَدٍ مُتَذَكِّرٍ وَغَيْرُ مُتَذَكِّرٍ وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ يَنْتَفِعْ غَيْرُ الْعَاقِلِ بِقَلْبِهِ صَارَ كَمَنْ لَا قَلْبَ لَهُ قَالَ تَعَالَى شَاهِدًا لِمَا قُلْنَا ﴿أَفْلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونُ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهِآ أَوْ آذَانِ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تُعْمَى الْأَبْصَارَ وَلَكِنْ تُعْمَّى الْقُلُوبَ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ الصَّالِحِ تَرَى الرَّجُلَ لِبِيْبًا دَاهِيًا فَطْنًا وَلَا عَقْلَ لَهُ فَالْعَاقِلُ مَنْ أَطَاعَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَلَيَّ هَذِهِ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ كَافِيَةٌ لِأَنَّ طَاعَةَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ هِيَ جِمَاعُ الْفَضَائِلِ وَاجْتِنَابِ الرَّذَائِلِ وَهِيَ السِّيرَةُ الْفَاضِلَةُ عَلَى الْحَقِيقَةِ الَّتِي تُخَيَّرُهَا لَنَا وَاهِبُ النَّعَمِ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ فَلَا فَضِيلَةُ إلَّا اتِّبَاعَ مَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ أَوْ حَضَّ عَلَيْهِ وَلَا رَذِيلَةَ إلَّا ارْتِكَابَ مَا نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَوْ نَزَّهُ مِنْهُ وَأَمَّا الْكِيسُ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا لَا يُبَالِي الْمَرْءَ مَا وَفَّقَ فِي اسْتِجْلَابِ حَظِّهِ فِيهَا مِنْ عُلُوِّ صَوْتٍ أَوْ عَرْضٍ جَاهٍ أَوْ نَمْوِ مَالٍ أَوْ نِيْلٍ لَذَّةٍ مِنْ طَاعَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ فَلَيْسَ ذَلِكَ عَقْلًا بَلْ هُوَ سَخْفٌ وَحَمْقَ وَنَقْصٌ شَدِيدٌ وَسُوءٍ اخْتِيَارٍ وَقَائِدٌ إلَى الْهَلَاكِ فِي دَارِ الْخُلُودِ وَقَدْ شَهِدَ رَبَّنَا تَعَالَى أَنَّ مَتَاعَ الدُّنْيَا غُرُورٌ وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ تَارِكَ الْحَقَّ وَمُتَّبَعَ الْغُرُورِ سَخِيفَ الِاخْتِيَارِ ضَعِيفَ الْعَقْلِ فَاسِدُ التَّمْيِيزِ وَبُرْهَانُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ تَمْيِيزٍ فِي إنْسَانٍ بَانَ بِهِ عَنْ الْبَهَائِمِ فَهُوَ يَشْهَدُ أَنَّ اخْتِيَارَ الشَّيْءِ الْقَلِيلِ فِي عَدَدِهِ الضَّعِيفِ فِي
مَنْفَعَتِهِ الْمَشُوبُ بِالْآلَامِ وَالْمَكَارِهِ الْفَانِي بِسُرْعَةٍ عَلَى الْكَثِيرِ فِي عَدَدِهِ الْعَظِيمِ فِي مَنْفَعَتِهِ الْخَالِصِ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout