لِأَنَّ مَنْ سَلَكَ سَبِيلَ الْمَجَانِينِ وَهُوَ مُمَيِّزٌ فَالْمَجْنُونُ أُعْذَرُ مِنْهُ وَلَوْ أَنْصَفُوا أَنْفُسَهُمْ لِعَلِمُوا أَنَّ الَّذِي قَالُوا حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لِأَنَّ عِلِمْنَا بِأَنَّ أَجْسَامَ النَّاسِ فِي الصِّينِ وَفِيمَا يَأْتِي إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ عَلَى هَيْئَةِ أَجْسَامِنَا هُوَ كَعَلْمِنَا بَعْدَ وُرُودِ النَّصِّ بِأَنَّ كُلَّ بُرٍّ فِي الصِّينِ وَالْهِنْدِ وَكُلُّ بُرٍّ يُحَدِّثُهُ اللَّهُ تَعَالَى إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَحَرَامُ بَيْعِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا وَأَمَّا هُمْ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُمْ إذْ نَقَلُوا حُكْمَ الْبِرِّ الْمَذْكُورِ إلَى التِّينِ وَالْأَرْزِ أَنْ يَنْقَلُوا حُكْمَ أَجْسَامِ النَّاسِ إلَى أَجْسَامِ الْبِغَالِ فَيَقُولُوا إنَّ بِغَالِ الصِّيْنِ عَلَى هَيْئَةِ أَجْسَامِ النَّاسِ لِأَنَّ نِسْبَةَ الْأَرْزِ إلَى الْبِرِّ كَنِسْبَةِ الْبِغَالِ إلَى النَّاسِ وَلَا فَرْقَ وَكُلُّ ذَلِكَ أَنْوَاعٌ مُخْتَلِفَةٌ وَيَلْزَمُهُمْ أَيْضًا إذَا قَاسُوا الْغَائِبُ عَلَى غَيْرِ نَوْعِهِ مِنْ الشَّاهِدِ أَنْ يَقُولُوا إنَّ الْمَلَائِكَةَ وَالْحُورَ الْعَيْنَ لَحْمٌ وَدَمٍ قِيَاسًا عَلَى النَّاسِ وَأَنَّهُمْ يَمْرِضُونَ وَيُفِيقُونَ وَيَمُوتُونَ وَأَنَّ فِيهِمْ حَاكَةٌ وَمُلَاحِينِ وَفُلَاحَيْنِ وَحَجَامَيْنِ وَكَرْبَاسِيَّيْنَ قِيَاسًا عَلَى الشَّاهِدِ وَإِلَّا فَقَدْ نَقَضُوا وَبَطَلُوا قِيَاسَهُمْ لِلْغَائِبِ عَلَى الشَّاهِدِ وَالْحَقِّ مِنْ هَذَا أَنْ لَا غَائِبَ عَنْ الْعَقْلِ مِنْ قِسْمَةِ الْعَالَمِ الَّتِي تُدْرِكُ بِالْعَقْلِ وَلَا غَائِبٍ عَنْ السَّمْعِ مِنْ الشَّرِيعَةِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَعْتَصِمُ وَكُلُّ ذَلِكَ ثَابِتٌ حَاضِرٌ مَعْلُومٌ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَقَالُوا إنَّ كُلَّ مُشْتَبِهَينَ فَوَجَبَ أَنْ يُحْكُمَ لَهُمَا بِحُكْمٍ وَاحِدٍ مِنْ حَيْثُ اشْتَبَهَا قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ وَهَذَا تَحْكُّمُ بِلَا دَلِيلٍ وَدَعْوَى مَوْضُوعَةٍ وَضْعُهَا غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ وَالْحَقِيقَةُ فِي هَذَا أَنَّ الشَّيْئَيْنِ إذَا اشْتَبَهَا فِي صِفَةِ مَا فَهُمَا جَمِيعَا
فِيهَا مُسْتَوِيَانِ اسْتِوَاءٌ وَاحِدًا لَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى بِتِلْكَ الصِّفَةِ مِنْ الْآخَرِ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout