هَذِهِ الْآيَةُ أَنَّ أَحْكَامَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ جَارِيَةً عَلَى خِلَافِ مَا يَحْتَسِبُ النَّاسُ كُلُّهُمْ مُؤْمِنُهُمْ وَكَافِرُهُمْ وَالْقِيَاسُ إنَّمَا هُوَ يَحْتَسِبُهُ الْقَائِسُونَ لَا نَصَّ فِيهِ وَلَا إجْمَاعَ كَظَنِّ الْمَالِكِيِّ أَنَّ عِلَّةَ الرِّبَا الْإِدْخَارَ فِي الْمَأْكُولَاتِ فِي الْجِنْسِ وَظَنَّ الْحَنَفِيِّ أَنَّهَا الْوَزْنُ أَوْ الْكَيْلُ فِي الْجِنْسِ وَظَنَّ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا الْأَكْلُ فِي الْجِنْسِ وَهَذِهِ كُلُّهَا ظُنُّونٌ وَاحْتِسَابَاتٌ فَصَحَّ أَنَّ أَحْكَامَ اللَّهِ تَعَالَى تَأْتِي بِخِلَافِ مَا يَقَعُ فِي النُّفُوسِ فَهَذِهِ الْآيَةُ أَبْيَنُ شَيْءٍ فِي إبْطَالِ الْقِيَاسِ وَالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَقَدْ قَوَى بَعْضُهُمْ احْتِجَاجُهُمْ بِمَا ذَكَرْنَا فِي قَوْلِهِ ﴿لْمُؤْمِنِينَ﴾ بِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ قَوْلِهِ فِي دِيَةِ الْأَصَابِعِ أَلَا اعْتَبَرْتُمْ ذَلِكَ بِالْأَسْنَانِ عَقْلُهَا سَوَاءٌ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ مَنَافِعُهَا قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ إنَّمَا أَرَادَ
بِقَوْلِهِ هَلَّا اعْتَبَرْتُمْ أَيْ هَلَّا تَبَيَّنْتُمْ ذَلِكَ بِالْأَصَابِعِ فَاسْتَبْنْتُمْ لِأَنَّ الْعِبَارَةَ عَنْ الشَّيْءِ هُوَ مَا يَتَبَيَّنُ بِهِ الشَّيْءُ أَيْ هَلَّا تَبَيَّنْتُمْ أَنَّ اخْتِلَافَ الْمَنَافِعِ لَا يُوجِبُ اخْتِلَافَ الدِّيَةِ أَوْ هَلَّا فَكَرْتْمْ وَعَجَبْتُمْ فِي الْأَصَابِعِ
وَرَأَيْتُمْ أَنَّ اخْتِلَافَ مَنَافِعِهَا لَا يُوجِبُ اخْتِلَافَ دِيَاتِهَا وَلَا اخْتِلَافُ أَحْكَامِهَا كَمَا أَنَّ الْأَسْنَانَ أَيْضًا كَذَلِكَ وَهَذَا نَصٌّ جَلِيٌّ مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى إبْطَالِ الْقِيَاسِ وَالْعِلَلِ الْمُوجِبَةِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِالْقِيَاسِ لِاسْتِوَاءِ الْأَحْكَامِ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ إنَّ الدِّيَةَ إنَّمَا هِيَ عِوَضٌ عَنْ الْأَعْضَاءِ الْمُصَابَةِ فَيُقِيسُونَ فَقَدْ السَّمْعَ عَلَى فَقْدِ الْبَصَرِ فِي الدِّيَةِ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ بِذَلِكَ مُتَسَاوِيَةٌ فَأَبْطَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ ذَلِكَ وَرَدَّ إلَى نَصٍّ وَلَمْ يَجِدْ الْأَصَابِعُ أَصْلًا لِلْأَسْنَانِ يُقَاسُ عَلَيْهِ وَلَا جَعْلَ الْأَسْنَانِ أَصْلًا لِلْأَصَابِعِ يُقَاسُ عَلَيْهِ بَلْ سِوَّى بَيْنَ كُلِّ ذَلِكَ تَسْوِيَةٌ وَاحِدَةٍ وَهَذَا هُوَ ضِدُّ الْقِيَاسِ لِأَنَّ الْقِيَاسَ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ إنَّمَا هُوَ رَدُّ الْفَرْعِ إلَى الْأَصْلِ وَلَيْسَ هَهُنَا أَصْلٌ وَفَرْعٌ بِلْ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout